في أيلول.. رَجُل بألف رَجُل.
« الرَجُل الذي يُحرك العالم هو الذي لا يسمحُ للعالم أن يُحركه »
كالسحاب المنثورُ علي الطُرقات الذي بغيابه تغيبُ الشمس وتثورُ وتحلُ العتمةُ دون نوره،
هو الذي طرقَ بابي بعد منتصفُ ليلة عارمة عاصفةُ فنهضتُ من فراشي غير مُبالية بالزوابعُ والبرد الشديد والمطرُ الغزير وفتحت له وقد وجدته أمامي جمالاً لا يُماثله أي نظير ولا يتخيله أي عقل،
تراهُ كملاك كأنك ملكت السماء علي وجهه راحةٍ وعوضاً عن كل تعبٍ والآم،
هو فوق كل تصور أو خيال فأجنحة الأيمان بالحب هي التي تَحملنا خارج دائرة الحواس. لم يكن في مرةٍ عابسُ الوجه معي،
لقد زرع القوة بأعماق روحي وسَلب أشداء القلبِ، حاشا أن أُسميه الخريف المتساقطُ في أيلول وما يَتبعه من ذكريات تشرين الأول المُعطَرة بالزهور بل هو الجمال والحب المضمون الذي فاض أمامي من ملء كآسه المجنون..
حقاً ينقصه كل شئ من لا يعرفه ومن هو ليس بموجودٍ معه، هو من يستطع وحده أن يعبثُ بأوتار القلبُ وكما قالوا:
لا تُصدق كل ما تسمعه وكل ما تراهُ صدق فقط نصفه، أقولُ:
هذا هو القمر الذي وصفته..
فالقمر ذاته مُجرد ظل بسيط من نوره هو يُضئ بمجرد سماعِ لهمس صوته من يعرفه جيداً يتركُ عنه غِناه وينزلُ عن فراشه الناعم ويتمرغُ فوق الشوكِ لأجله ويستغني عن طعامه الفاخر ويمضغُ الحنظل ويجرشُ الحصي دون جبراً أو إرغام،وحده مناصِ للأحتماء. لقد ذهب وراءه قلبي وصدقه أيضاً عقلي،
فقد أحسستُ الكلمات قبل أن ينطقُ بها اللسان إنه يعلمُ جيداً ضعفي ناحيته وهزالُ نفسي فيجاوبُ أيضاً عني. يردُ غيبتي ويزرعُ الطمأنينةُ بداخلي،
قد سمعتُ صوته كثيراً حولي ليته بالفعل أمامي فآُناجيه ليرفعُ لي وجهه وأري حبي في عينه فروحي تبحثُ دائماً عنه.
فالعقلُ الباطن لا ينامُ من كثرة التفكيرُ فيه،أنِ أشعرُ به وهو بعيداً وعندما أمسيّ الليل وسرقه الوقت رجعَ مرةً أخري إلي مكانه لسُكناه عند البحرِ، ولقد قولتُ ذات مرة:
لو فكرتُ في أحداً ورأيته أمامك يطولُ عمره وأنا إن كنتُ نسيته يوماً ولم تراهُ عيني لأحسسته بقلبي وإن أغلقتُ عيني عنه ولمسته أعرفه من خلال الوشم الذي علي يديه.
فكل صرخةً مكتومةٍ بداخلي تُعلمني إنه بخيراً. أقولُ:
ياأيها الساهرون لمطلع الصبحِ أغلقوا عليكم نوافذِ الأنتظار فبردُ الحنين لا يرحمُ بَدن أحد في الليل الحزين لذلك فإن تَعِبتُ قلباً أحبك في يوماً فقد يكونُ لك نفسَ التعبُ..
ولكن لسان حالي يقولُ لي في صمتاً:
إنه هو..
هو هذا الشبلُ من ذاك الأسدُ، لقد غير الخريفُ ملامح كل شئ ومَحا آثار الصيف وجعل الأخضرُ يابساً والورق معريّ وحلَ محله الذهبيّ وظهر الحب المرويّ.فالبرد بقربه يضمرُ جمراً، فما بالكَ بكل من يتسامرُ معه؟ هل يشعرون بمدي تأثيره عليهم مثلي؟
فالحديد من كلامه ينصهرُ كالشمعُ..
والثلج يسيلُ كالماء.
لأبد أنه أتي من الجنة أو أنه من عالم آخر لم نسمعُ عنه، بالحقيقة:
أن الغيرة في قلبي نار لا تهدأ فقد بحثتُ عنه ووجدت مكانه المبتغي أمام البحرُ وجدته دائماً عنده يُصادقه ويُحدثه كصاحبه.
قولتُ عنه وشهدت له:
بأنه من آثريّ حياتي بثراء الروح.
فما أجملُ الرضا وهدوء البال بعينه! لقد تمنيتُ أن أُخبئه داخلي من برد الليلِ وهوج البحرُ كما تُخبئ الأم طفلها خلف البابُ خوفاً عليه من سيول المطرِ،
لقد عشتُ في رغد العيشِ بسببه فعند دعائي بالرزق أجده ولم يخطرُ علي بالي إن كنتُ في يوماً مثله.
هو صاحبُ القلب الحاني الذي لم أجد غيره،لقد أورقت حياتي المعطرة بندي سمائه.
لم يكن أمامي متسعاً من الوقت لأُصارحه وأعترف له بأنه:
ملكَ فؤادي ومشاعري فقد توجته أميراً علي عرش قلبي..فشكراً لله علي عطيته لي التي لا يعبرُ عنها،
فأنا قد أجتزتُ أسفاراً مراراً كثيرة إنكسرت بي السفينة ومررت بأخطار في البَر والبحر وقابلتُ أشخاصاً لم يكن في صالحي أن أعرفهما لأبحثُ عن حباً مثله فقد صار عندي الربيعُ المزدهرُ وفرحة الرزق المتأخرُ وسقوط المطر الذي يُحيي بخير ماءه كل الأزهارِ والشجرُ.
أتساءلُ: من يضعفُ وأنا لا أضعف؟
ومن يعشقُ وأنا لا أفتخرُ، أقول:
كمختلِ العقل أنا أفضلُ. أهميته حقاً صارت مثل أهميةُ الشمسُ والقمرُ، ولكن من ضعف ثقتي به وضعفي إن آثار حبه وأعترافه لي ما زالت مجهولةٍ ولم تُعرف بعدُ.
{ ففي مدرسة الألم يخرجُ أبطال العالم حيث يكونُ الألم مدرسة نارية تنضجُ شابٍ غضنٍ يصيرُ بعدها رجلاً ناضجاً.
فهل هو مثلهم قد تَخرج من نفس تعليم هذه المدرسة لأنه في عيني بالفعل رَجلاً بألف رَجُل }

مرحبا بك اترك تعليقك فهذا يهمنا ويسعدنا واذا اعجبك موضوعاتنا ادعمنا بالمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعى